السيد كمال الحيدري

234

المذهب الذاتي في نظرية المعرفة

ليس في المذهب التجريبي إلا مبدأ تجريبياً يدلَّل عليه بالتجربة الحسّية ، فإذا كانت الإدراكات والتجارب متناقضة كيف صحّ لباركلي أن يؤمن بمبدأ عدم التناقض ويبرهن عن هذا الطريق على عدم وجود واقع موضوعيّ ؟ الحقيقة : أن باركلي استند لا شعورياً إلى فطرته الحاكمة بمبدأ عدم التناقض بصورة مستقلّة عن الحسّ والتجربة . ثالثاً : من الضروريّ أن نميّز بين مسألتين : * مسألة وجود واقع موضوعيّ للإدراكات والإحساسات . * * مسألة مطابقة هذا الواقع لما يبدو في إدراكنا وحواسّنا . وإذا ميّزنا بينهما استطعنا أن نعرف أن تناقض الإحساسات لا يمكن أن يتّخذ برهاناً على عدم وجود واقع موضوعيّ كما حاول باركلي ، وإنما يدلّ على عدم التكافؤ بين المعنى المدرَك بالحس والواقع الموضوعي في الخارج ، أي إن الإحساس لا يجب أن يكون مطابقاً كلّ المطابقة للأشياء الخارجية . وهذا شيء غير ما حاوله باركلي من إنكار موضوعية الإحساس . فنحن حين نغمس يدينا بالماء فتحسّ إحداهما بالحرارة وتحسّ الأخرى بالبرودة لا نضطرّ لأجل استبعاد التناقض أن ننكر موضوعية الإحساس بصورة مطلقة ، بل يمكننا أن نفسّر التناقض على وجه آخر وهو أن إحساساتنا عبارة عن انفعالات نفسية بالأشياء الخارجية ، فلابدَّ من شيء خارجيّ حينما نحس وننفعل ، ولكن ليس من الضروريّ تكافؤ الإحساس مع الواقع الموضوعي ؛ لأنّ الإحساس لما كان انفعالًا ذاتياً فهو لا يتجرّد عن الناحية الذاتية . ويمكننا على هذا الأساس أن نحكم فوراً في شأن الماء الذي افترضه باركلي بأنه ماء دافئ وليس ساخناً ولا بارداً ، وأن هذا الدفء هو الواقع الموضوعي الذي أثار فينا